القائمة الرئيسية

الصفحات

الموقع الرسمي للدكتور عبدالرزاق المصباحي
جديد الموقع: الدكتور عبدالرزاق المصباحي يحوز على جائزة كتارا (2025) في فئة الدراسات والبحوث النقدية

مقال: الناقد وسلطة المؤسسة: تفكيك المرجعيات واجتراح المفاهيم/ د. عبدالرزاق المصباحي

 نشر هذا المقال ضمن ملف حول الناقد والمفكر عبدالله الغذامي 

ونشر في العدد 124 خريف 2025 من مجلة نزوى العمانية 

الرابط الأصلي للمقال من مجلة نزوى، العدد 124، خريف 2025



الناقد وسلطة المؤسسة  تفكيك المرجعيات واجتراح المفاهيم

عبدالرزاق المصباحي
ناقد وأكاديمي مغربي


فتح الناقد والمفكر عبدالله الغذامي قبل خمسٍ وعشرين سنة أفقًا بحثيًا ونقديًا ثوريًا في المدونة النقدية العربية، نائيًا عن سلطة المؤسسة الأكاديمية بأقانيمها وأفكارها الراسخة. فالنقد الثقافي لم يكن جزءًا من اشتغال هذه المؤسسة، أو استراتيجية نقدية متوافقة مع غايتها وأدواتها؛ فإذا كانت مؤسسة النقد الأدبي تحتفي بالمعتمد الأدبي وتُقدّس كثيرًا من أسمائه؛ فإن النقد الثقافي مع الغذامي اتجه نحو تفكيك الأنساق الثقافية المضمرة التي تتحكم في هذه الأسماء «العظيمة» وفي نصوصها «المرجعية»، فاضحًا عيوبها النسقية الخفية، وآليات صناعة «رعية الخطاب» وسيرورة بناء «المستهلك الجمالي» الذي رُسم له أن يقف وقفة المعجب المستلب، لا القارئ المتنبه إلى عيوب الخطاب، وتهافته، وخطورته في تشكيل الشخصية العربية.
لقد كان هذا المشروع النقدي الثوري مُعلنًا عن إبستيمي جديد قائم على ضرورة ربط النقد بالفكر، وقرن الأدب بالحياة، واتخاذ النقد أداةً في إعادة التفكير في تقييم النصوص التي قدّستها مؤسسة النقد الأدبي، ونزّهتها عن المساءلة النقدية. ولم تكن هذه المغامرة النقدية لتستوطن المؤسسة النقدية العربية دون مقاومة أو رد فعل ثقافي، وقد اتخذ طريقين: النقاش العلمي المستوجب والموضوعي، أو ردود الفعل الأيديولوجية والشخصية. وفي كلتا الطريقين ظل الغذامي منفتحًا على الحوار المنتج، متسلّحًا بقدرة عالية على الترافع عن مشروعه في المقالات واللقاءات في الفضاءين الواقعي والسيبرنيطيقي.

مرجعيات مختارة

إن ما يميز مشروع الغذامي في تأصيل النقد الثقافي أنه جمع بين التنظير والمراس، وجرّب أدواته على بنيات خطاب متنوعة. ولم يكن كتابه المؤسس «النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية» (2000) إلا فاتحة مشروع ضخم، لا يزال يطوّره في أهم كتبه: «الثقافة التلفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي» (2004)، «القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة» (2009)، «الفقيه الفضائي» (2011)، «الليبرالية الجديدة: أسئلة في الحرية والتفاوضية الثقافية» (2012)، «ما بعد الصحوة: تحولات الخطاب من التفرد إلى التعدد» (2015)، «ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير» (2016)، «الجنوسة النسقية» (2017)، «السردية الحرجة: العقلانية أم الشعبوية» (2019). مستصحبًا بتتبع ونقاش دائم للتجريب وتوضيح الإشكالات وتقريب المفاهيم، كما يظهر في كتابه «إشكالات في النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق» (2023). فهو يتلبّس نهج «المعلم» والبيداغوجي الذي لا تتعبه إعادة الشرح، أو التوسع في الأمثلة، أو إزالة اللبس، أو حتى مراجعة أفكاره وتصوراته وتطبيقاته إذا بدا له أنها تحتاج إلى تعديل أو تصحيح أو تدقيق.
ويكاد يكون الغذامي ظاهرة ثقافية متفرّدة في القدرة على استيعاب المرجعيات والإحاطة بها، والتخلص من سلطتها في الوقت نفسه، فهو وإن كان قد حدّد مرجعيات معيّنة هي: (الدراسات الثقافية البريطانية، في نقد الثقافة، الرواية التكنولوجية، النقد الثقافي عند فنسنت ليتش، النقد المؤسساتي، الجماليات الثقافية «التاريخية الجديدة»، والناقد المدني عند إدوارد سعيد) في كتابه المؤسس «النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية»، إلا أنه لم يستغرق هذه المرجعيات أو يطبّق مفاهيمها وآلياتها حرفيًا، إذ تظهر في مشروعه وكأنها إشارات للتوسع. ولعل العنوان الذي اتخذه «ذاكرة المصطلح» يعلن عن تبني توجه خاصٍ يتخذ من تلك المرجعيات ذاكرة، لكن دون أن تكون نموذجًا إرشاديًا يسعى إلى التماهي مع مخرجاته وإسقاطها على المدونة النقدية العربية.
انتهج الغذامي مسلكًا ناقدًا للمرجعيات المؤسسة للنقد الثقافي، منتقدًا حدودها النظرية والإجرائية، كما هو الأمر في التصور الذي ساقه، نقلًا عن دوغلاس كلنر، عن الدراسات الثقافية بكونها تتسم «بالتسطيح النظري»، حينما تدعم الخطابات الجماهيرية دون كشف أنساقها المعيبة، أو حين ينبه إلى خطورة المتعة في تنميط الأفكار وبناء الطاغية ضمن «محور نقد الثقافة». وليس خافيًا أنه ينظر إلى الخطابات الجمالية بوصفها حمّالة للعيوب النسقية، فهي عنده تصيب مستقبل الثقافة «بالعمى الثقافي»: «فالنقد الثقافي لا يؤطر نفسه ضمن التصنيف المؤسساتي للنص الجمالي»(1).
وهذا التصور الذي يورده الغذامي نقلًا عن فنسنت ليتش يؤطّر آليات تعامله مع المرجعيات الناظمة للنقد الثقافي؛ فتصوّره للشعر وللخطابات الجمالية، التي انفرز عنها تحديد قاسٍ هو اعتباره «جرثومة ثقافية»، ينسجم مع هذا التصور المختلف، والمناهض في الوقت نفسه لتحديدات المؤسسة الأكاديمية (مؤسسة النقد الأدبي)، التي كانت تعتبر الشعر ديوان العرب وخطابها الفني الأطهر. وكان بإمكان الغذامي ألّا يستند إلى «فنسنت ليتش»، أو يعتمد مرجعيات أخرى، وهي كثيرة، تُعنى بأهمية المكوّن الجمالي، كما عند الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، الذين يميّزون بين صناعة رعية الخطاب عبر دمج الفن في سيرورات «صناعة الثقافة»، وبين الفن الحر والمستقل، الذي يؤدي أدوارًا طليعية في بناء خطاب حرّ مستقلٍّ عن سطوة المؤسسة، لكن ذلك لم يكن ليتوافق مع تصوّره لوظيفة النقد الثقافي في كشف العيوب النسقية في الخطاب المتدثّرة بالخطاب الجمالي.
والغذامي في مجمل مشروعه ظلّ مخلصًا لتقنية الانتخاب النسقي للمرجعيات، فيختار منها ما يتوافق مع أفقه البحثي؛ إذ إنَّ تصوّره لمفهوم النص موسَّع وشامل لكل أنواع الخطاب، وهو لا يقصر النقد الثقافي على دراسة النص الأدبي، بل بنيات خطابات وظواهر ثقافية متنوعة، وكل «أنظمة الخطاب وأنظمة الإفصاح الجوهري النصوصي» كما عند بارت ودريدا وفوكو(2). وفي هذه النماذج الثلاثة تمثيل لمرجعيات متفرّدة في النظر إلى الأدب؛ فرولان بارت، أحد المشاركين الكبار في العدد الثامن من مجلة «تواصلات»، فتح آفاقًا نقدية جديدة في مقاربة النص السردي خارج المعتمدات الأكاديمية. أمّا «الجملة الثقافية» الدالّة التي قال بها دريدا: «لا شيء خارج النص»، فقد فتحت ممكنات توسيع هذا المفهوم المقترن بالرفع، أي باختيار المؤسسة لما ينبغي أن يكون نصًا وإقصاء ما لا تعترف به، إذ صار شاملًا لمختلف أنواع الخطاب؛ ما يعني أننا نحيا داخل النصوص، التي نفهم بها الحياة، وفي الوقت نفسه تؤطّر هي تمثيلاتنا وسلوكنا. ويتكامل مع هذين التصوّرين الإضافات الفارقة والمهمة لميشيل فوكو، الذي أحدث ذلك التحول المؤثر في مسار النقد الثقافي عبر مفهوم «الخطاب»، المقترن بكلٍّ من المعرفة والسلطة في تداخلاتهما المركّبة والمعقّدة في آن.
يختار الغذامي مرجعياته بعناية وفق رؤية نسقية، بالمعنى البنيوي للكلمة، مع توجيهها نحو خدمة مشروعه، متحرّسًا من إسقاطها على المدونة النقدية العربية، لكن دون الوقوع في تناقضات داخلية. فإذا كان التاريخيون الجدد قد اتخذوا من شكسبير معتمدًا أدبيًا يفككون أنساق نصوصه ويكشفون عيوب خطابه الأدبي، فإن عمرو بن كلثوم، والمتنبي، وأبا تمام، وأدونيس، وهم رؤوس الشعرية العربية وكبار معتمداتها، قد خضعوا لتشريحه الثقافي. فالمتنبي، الذي كانت المؤسسة النقدية تعتبره شاعرًا عظيمًا، يراه الغذامي كذّابًا ومتسوّلًا كبيرًا. وأبو تمام، الذي جعلته المؤسسة البلاغية الشاعر المجدّد، صار تقليديًا. ونزار قباني، الذي صنعت جماهير القراءة (مؤسسة القراءة) منه أسطورة شاعر المرأة الأول، فقد كشف عن جنوسته النسقية العدائية تجاهها. أمّا أدونيس، الذي تعتبره مؤسسة النقد الأدبي شاعرًا حداثيًا كبيرًا، فهو رجعيّ عند الغذامي.

المفاهيم الإجرائية

ظلّ الغذامي وفيًّا لمفهومه الأثير «النسق الثقافي المضمر» في مجمل مشروعه النقدي، فهو يكشف بوساطته عن العيوب النسقية في خطاب الشعر (شخصية الفحل الهجّاء، والمتسوّل المدّاح، الطاغية الثقافي)، وفي المدونة الفقهية (الحَجر، حَجب الفتوى، العاميّ، الرأي المقدّس، سدّ الذرائع…)، وفي الفلسفة والفكر (نسقية أفلاطون وابن خلدون)، وفي السياسة (الجمل الثقافية الناسخة في الحروب). ويتشعّب هذا المفهوم المركزي مع شبكة من المفاهيم الإجرائية (الشعرنة، المؤلّف المزدوج، الجملة الثقافية…)، التي حرص على توضيحها منذ كتابه المؤسس «النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية»، ولن يكون كِتابَاهُ «الجنوسة النسقية» (2017) و«إشكالات النقد الثقافي» (2023) آخر هذا الحرص العلمي على التدقيق.
يحدّد الغذامي «الجنوسة النسقية» باعتبارها مصطلحًا «يلامس النسقية الثقافية ببعده الطبيعي الذي يجعل الفروق الطبيعية فُروقًا في المستوى وفي التمييز المتحيّز، وعبر هذه الخاصية تتحوّل كل خاصية نسوية إلى سِمة دونية»(3). أي إنّها تعادل مفهوم «النسق الثقافي المضمر»، الذي يتأسّس على مفهوم النسخ، ومنها شخصية الفحل الناسخ لغيره؛ فالربط بين الذكورة والفحولة الناسخة هو اصطناع لمفاهيم ثقافية، تتحوّل فيها التصنيفات الطبيعية (ذكر/أنثى) إلى تراتبية ثقافية (القوة في مقابل الضعف) و(الحضور الوجودي المؤثّر في مقابل الوجود الهامشي غير المرئي).
ولقد سبق للغذامي أن وقف عند ظاهرة «الجنوسة النسقية» في كتبه المؤسسة، وخاصة «المرأة واللغة» (1996) و«النقد الثقافي» (2000)، سواء حضر المصطلح أو حضر المفهوم، كما في مناقشته قضية «الطبقات الشعرية»، وقضية «اللفظ والمعنى»، حينما يربط بين اللفظ والذكورة، وبين المعنى والأنثى، وهي «دلالةٌ نسقية بسبب وجود مقولات تربط بين «اللفظ» من جهة، والأوائل من جهة ثانية، والذكورة من جهة ثالثة، والمعنى حينئذ سيكون قيمة أنثوية»(4).
يسترجع الغذامي في كتاب «الجنوسة النسقية» ذاكرة مصطلحاته المركزية في النقد الثقافي (الجملة الثقافية، المؤلّف المزدوج، الشعرنة…)، ويختبرها في قراءة مظاهر الجنوسة النسقية. فمصطلحه المركزي «المؤلّف المزدوج»، الذي يقوم على اعتبار الثقافة هي المؤلّف الحقيقي، لا الأفراد المبدعين، والتي تمرّر عيوبها مستثمِرةً الجمال الخدّاع للخطابات الإبداعية، وعلى رأسها الشعر، كان مدخله لاعتبار أن الثقافة العربية هي التي صنعت معاني العشق في أبعادها المخاتلة. ومصطلحه «الجملة الثقافية»، وهي: «القول الذي يمتلك طاقة تعبيرية كاشفة للمضمر الثقافي وموجّهة له»(5)، فتكشف عن العيوب التي تستتر في الخطابات الجمالية والفكرية، وتَجعلنا نكتشف حقيقة الثقافة الناسخة التي تسكننا خطابًا وسلوكًا.
إنّ مصطلح «الشعرنة» هو آليته المفهومية الموسَّعة التي اعتبر فيها أن النهضة ليست مصطلحًا يدلّ على حقبة تاريخية، «بل هي قيمة شعرية مجازية، تصدق عليها كل قيم المجاز والمتخيَّل البلاغي بوصفها تورية ثقافية (…) ينفصل فيها القول عن الفعل، وتكتسب الكلمة قيمة شعرية، لا عملية ولا منطقية»(6). فجمع بين مفهوم «التورية الثقافية» ومفهوم «الشعرنة»، مُعلنًا عن التعالق البالغ الانتظام بين مفهومه المركزي «النسق الثقافي» وبين شبكة مفاهيمه الإجرائية: الجملة الثقافية، المجاز الكلّي، التورية الثقافية، الشعرنة… ومرسِّخًا إيمانه بقوّتها الإجرائية في القراءة الثقافية الموسَّعة للخطابات.
ويظهر اكتفاء الغذامي بهذه المصطلحات في كتابه «إشكالات النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق» (2023)، حيث يتلبّس دور «المعلّم» الذي يبسّط ويوضّح ويتوسّع في الأمثلة لكل مصطلح من مصطلحاته النقدية المركزية، حريصًا على إحداث الانسجام بين وظائفها في استغوار الخطابات بتنوّعها وتعقّدها في الشعر والفلسفة والفكر والسياسة. ويذكر الغذامي في الكتاب المسار الذي قطعه تشكّل مصطلح «النسق الثقافي»، الذي وظّفه مفهومًا غير مكتمل، لكن بأثر إجرائي واضح في كتابه «المرأة واللغة» (1996)، وفي بحثه «نماذج للمرأة في الشعر المعاصر» الذي قدّمه في ندوة نظمها اتحاد كتّاب العرب في أبوظبي حول «الشعر الحداثي في الخليج»، قبل أن تكتمل صورته النظرية والإجرائية في كتابه «النقد الثقافي» (2000).
ورغم وضوح التصوّر، فإن النقاشات الهادئة أحيانًا والمتشنّجة في أحيان كثيرة حول القيمة الإجرائية للمصطلحات التي اقترحها الغذامي جعلته يعيد توضيح تصوّره فيها، إزالةً للّبس أو تأكيدًا لقدرتها على الإفصاح عن المخبوء من الأنساق الثقافية في الخطابات التي تُقارب بوساطتها. ويمكن القول إن كتاب «إشكالات في النقد الثقافي» هو قراءة شخصية من الغذامي في مجمل مشروعه، حرص فيه على استحضار سياق ظهوره، وعلى التوسّع في أمثلة جديدة ومتنوّعة بلغته العلمية الدقيقة الممزوجة بروح سردية تشدّ القارئ، بغضّ النظر عن تخصّصه أو حظّه من «الأكاديميا».
ويعيد الغذامي توضيح «الجملة الثقافية»، مميّزًا بينها وبين الجملتين النحوية والأدبية، ومعتبرًا أنها «زئبقية وماهرة في التخفّي تمامًا كفعل النسق المضمر، حيث يتماثل مع الفيروس في التخفّي والمراوغة وتبديل الجلد»(7)، وهنا نلمس الحرص نفسه على جعل المفاهيم تتصل عضويًا ببعضها البعض، وهو حرص ممزوج بتنويع الأمثلة التوضيحية، سواء اتصلت بالتاريخ الإسلامي منطلقًا من الجملة الثقافية الفاعلة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» التي واجه بها الرسول الكريم قومه المعتدين من قريش، مُعلنًا عن تحوّل في المنظومة القيمية والسياسية، أو في الجملة الثقافية: «حق أريد به باطل» التي رفعها عليّ بن أبي طالب في وجه خصومه من الخوارج، أو الجملة الأيقونية: «أكون أو لا أكون» الشكسبيرية، التي تُظهر الفارق بين الحياة والموت المقرونَين باتخاذ القرار الأنسب تجسيدًا للتغيير في الحياة أو ترسيخًا للكائن. وحين يطمئن الغذامي إلى دقّة أمثلته، فإنّه يضيف نتيجة جديدة تُعضّد متانة المصطلح، بأن يجعل «الجملة الثقافية» معبّرة عن «تحوّلات سلوكية مصيرية، من حال إلى حال معاكسة لما قبل»(8).
وهذه هي طريقة الغذامي في بناء الفكرة؛ إذ يجمع بين مزيج من اللغة الأخّاذة، التي تعتمد «الحكاية» نسقًا خفيًا يشدّ القارئ، ولغة تتسم بالدقّة في التعبير عن مقصودها، مستصحَبةً بأسلوب علمي يستغرق الأمثلة المتنوّعة حتى يقتنع القارئ بالفكرة، بل ويتبنّاها، ويصنع هذا القارئ نفسه أمثلته الخاصة. فحين تقرأ للغذامي تغنم تصوّرًا جديدًا، أو مصطلحًا قشيـبًا، أو تفهم حدثًا مألوفًا على نحو مغاير. ومهما اختلفتَ معه، فإنك لا تستطيع إلّا أن تعترف بقدرته العالية على تغيير الأفكار، وعلى تحريك المياه البحثية الراكدة، وعلى عدم الاطمئنان إلى أحكام السدنة في المؤسسة الأكاديمية. إنّه يحفّز الرغبة في تقويض الجاهز، وفي التأمّل المستغور في الظواهر الثقافية مهما كانت هامشية أو محتقَرة في عُرف المؤسسات الناظمة.

على سبيل الاعتراف

لقد حاورتُ مشروع عبدالله الغذامي في مختلف كتبي، بدءًا من كتاب «النقد الثقافي: من النسق الثقافي إلى الرؤيا الثقافية» (2014)، مرورًا بكتاب «النقد الثقافي: قراءة في المرجعيات النظرية المؤسسة» (2022)، وليس انتهاءً بكتاب «الرواية والحدود: من التقاطبية الثقافية إلى الفضاء الثقافي» (2024)، وأعتبرها حوارية منتِجة غايتها تطوير الأداة النقدية الثقافية، وفتح طرائق في تفكيك الخطابات بمفاهيم إجرائية معزِّزة للمفاهيم التي طرحها الغذامي، مؤمنًا بأن جملته الثقافية «سمّوا أنفسكم مستقلين»، التي يرفعها شعارًا أوكد على منصّة X (تويتر سابقًا)، هي التي تجعل مشروعه في النقد الثقافي فضاءً «للسَّعة»، لا «للقسر»، ومفتوحًا على الاجتهاد العلمي الذي يختلف معزِّزًا بأخلاق الباحثين الحقيقيين، ويُناقش دون خلفية إسقاطية، ويطوَّر بمرآة المنجز الكائن، متطلّعًا إلى الحرية النقدية التي تطوّر منجزنا الإبداعي والفكري.


الهوامش
الغذامي عبدالله، النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، ص:32.
المرجع نفسه، ص:32.
الغذامي عبدالله، الجنوسة النسقية: أسئلة في الثقافة والنظرية، (بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2017)، ص:5.
الغذامي عبدالله، النقد الثقافي، ص:136.
الغذامي عبدالله، الجنوسة النسقية، ص:13.
المرجع نفسه، ص:39.
الغذامي عبدالله، إشكالات في النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق، (بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2023)، ص:11.
المرجع نفسه، ص:15.

المصادر والمراجع:

الغذامي عبدالله، إشكالات في النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق، (بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2023).
الغذامي عبدالله، الجنوسة النسقية: أسئلة في الثقافة والنظرية، (بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2017).
الغذامي عبدالله، النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، (بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2000).

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات