الندوة الوطنية السادسة لفريق المناهج والطرائق والتكنولوجيات التربوية المتجددة
حول
تحديات التكوين والتدريس في عصر وسائط الثقافة: مقاربات ثقافية ومنظورات متقاطعة"
يوم السبت 20 يونيو 2026
نظم فريق البحث "المناهج والطرائق والتكنولوجيات التربوية المتجددة" ندوته الوطنية في دورته السادسة حول " تحديات التكوين والتدريس في عصر وسائط الثقافة: مقاربات ثقافية ومنظورات متقاطعة"، يوم السبت 20 يونيو 2026 بقاعة الندوات الكبرى بالفرع الإقليمي بالصويرة.
ولقد شكلت المداخلة الافتتاحية للدكتور عبد الرزاق المصباحي، بعنوان "تفكيك وسائط الثقافة: في الحاجة إلى المقاربة الثقافية"، مدخلا مؤطراً لأسئلة الندوة ومحاورها، فصل فيها ماهية "وسائط الثقافة"، بوصفها أدوات تقنية تصنع قوالب وقيمًا ناعمة تناهض، في كثير من الأحيان، المرامي البيداغوجية للمنهاج التربوي الرسمي. ولقد أصّل المصباحي للمفهوم بالعودة إلى أطروحة الناقد الأمريكي دوغلاس كلنر المتأثرة بنقد "صناعة الثقافة" عند رواد مدرسة فرانكفورت (أدورنو، هوركهايمر، وماركوز)؛ والذين اعتبروا وسائل الإعلام أدوات ناعمة للهيمنة، وإلغاء الحس النقدي، وتدجين الأفراد عبر "العبودية الممتعة" للتقنية والترفيه.
ولقد وقف المصباحي عند مصطلح "وسائط الثقافة" باعتباره مصطلحاً محايدا؛ يسعف في الدراسة العلمية للخطاب المقترن بوسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي، وآثارها في صناعة جيل جديد من الكفايات المهنية والتعليمية. وانتهت الكلمة برهان بيداغوجي قائم على تعزيز الكفاية النقدية التبصرية؛ لتفكيك قوى المعرفة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتوظيفها بوعي داخل الفصول. ثم توزعت أعمال الندوة على أربعة محاور رئيسية شملت مداخلات علمية باللغتين العربية والفرنسية.
وتدخلت في المحور الأول الذي يحمل عنوان "وسائط الثقافة وتحديات بناء الكفايات" الدكتورة بشرى السوسي، التي رصدت مفارقة تربوية بناءً على مؤشرات مسح (TALIS 2024)، حيث يثق 94% من المدرسين في جاذبية الرقميات للطلاب، بالمقابل تعاني الأغلبية من غياب التكوين النقدي في الإعلام والذكاء الاصطناعي، داعية إلى نموذج بديل يرتكز على "تعليم الوسائط الرقمية"، بينما توقف الدكتور محمد آيت حمد عند تفكيك ظاهرة "السَّاركازم التربوي" على منصات التواصل (فيسبوك نموذجاً)، مبرزاً أنها تتجاوز الترفيه والتفريغ النفسي لتشكل آلية احتجاجية رمزية تعبر عن اعتراض الفاعلين التربويين ونقدهم المبتكر للسياسات التعليمية. وانتهت مداخلات المحور بالدكتور محمد الراشيدي، الذي سلط الضوء على واقع تدريس مادة الاجتماعيات زمن الرقمنة، راصداً الفرص التي تتيحها الوسائط الرقمية لتقليص الهوة بين المتعلم والمعرفة، ومحللاً التحديات اللوجستية والمنهجية التي تعوق استغلالها الميداني الأمثل.
أما في المحور الثاني بعنوان" تدبير القيم في عصر وسائط الثقافة"، فاستهل بمداخلة الدكتور مولاي مصطفى الإدريسي المبتسم، الذي ناقش توظيف السينما بوصفها جهازاً بيداغوجياً للتكوين الثقافي والجمالي في ظل تحولات وسائط نقل المعرفة المعاصرة. أما الدكتور رضوان كعية، فقارب تدريس رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ من منظور ثقافي جمالي، مبيناً أن القراءة السطحية للمتن قد تبدو متعارضة مع مدخل القيم، مما يستدعي آليات قراءة منتجة تفتح أفق التأويل وتستجلي القيم الإنسانية الضمنية. ورصدت مداخلة الدكتور مصطفى القصاب، آليات تنمية الحس التبصري والتأمل المهني لدى المدرسين، ومدى إسهام الإلزام المؤسساتي في تحويل التبصر إلى عادة مهنية أصيلة. متوقفا عند الفارق بين اصطحاب الطلبة المتدربين الكفايات المهنية (تخطيط وتدبير وتقويم) وتوقف الكفاية التبصرية عبر البحوث التدخلية.
واختص المحور الثالث من الندوة بموضوع "تكوين الأطر التربوية والكفاية التبصرية"، استهله الدكتور مسيري عبد اللطيف، الذي عالج بالدرس والتحليل (عبر استبيان ميداني) التمثلات حول طبيعة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، مفككاً دعوى كونه تكويناً "نظرياً محضاً"، وباحثاً عن سبل ردم الهوة بين فضاء التكوين وواقع الممارسة الصفية، عبر اقتراح ورشات عملية تعزز التمثل الدقيق لورشة تحليل الممارسة المهنية؛ بينما أبرزت الدكتورة رشيدة الزعيم أن التكامل المنهجي والوظيفي بين "البحث التدخلي" و"المشروع الشخصي المؤطر" يشكل الرافعة الأساسية لبناء الكفاية التبصرية وتحليل الممارسة المهنية وتطويرها لدى الطلبة المتدربين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.
وتناولت ورقة الدكتور حسن كبوس إشكالية "التوجيه الخوارزمي" للمعارف المكتسبة لدى الطلبة المتدربين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالمغرب، مستقصية أثر التحولات الرقمية والأنظمة الذكية في ممارساتهم وسؤال هويتهم المهنية، محذراً من كون التدبير الخوارزمي للمعلومة لا يقف عند حدود تيسير الولوج؛ بل يمتد إلى مأسسة "تنميط معرفي" يهدّد باستلاب الاستقلالية المهنية للمدرس وينبئ بتقويض الهوية المهنية. أما الدكتور العربي عكروش فاستعرض مستلزمات تجديد الكفايات المهنية للمدرسين عبر مأسسة التكوين المستمر الرقمي، متخذاً من إقليم الصويرة نموذجاً لبحث أسئلة الابتكار واستدامة الإصلاح.
واختص المحور الرابع بموضوع تجديد درس الأدب من مداخل جمالية وثقافية، حيث قارب الدكتور الحسين الحسيني، بنية السرد والتروما التاريخية والأنثروبولوجية في مؤلَّف Chronique japonaise لنيكولا بوفيير، مرتكزاً على دراسة شعرية السرد إزاء تجربة سردية تجمع بين الانتماء إلى محكي السفر، والشهادة على عصر دموي عرفه جيل ضحايا الانفجار النووي باليابان؛ بينما أبرز الأستاذ هشام جموري أهمية المقاربة الثقافية في تدريس مكون المؤلفات بالثانوي التأهيلي، موضحاً أثرها في تنمية الكفايتين الثقافية والاستراتيجية، وتحقيق الاندماج الثقافي للمتعلم تماشياً مع الرؤية الاستراتيجية 2015-2030. أما الدكتور محمد سمكان فاقترح مدخلا ديدكتيكيا جديداً لدرس العروض عبر مدخل جمالي وثقافي يربط المصطلح العروضي بأبعاده الموسيقية والخلفيات الثقافية، بدلاً من الاختزال التقني الجاف. وانتهت مداخلات المحور بورقة الدكتور هشام اسطنبولي التي حاول فيها الكشف عن الهوة الحاصلة بين المرجعيات الفلسفية والمعرفية المنتجة للقراءة المنهجية المعتمدة في تدريس النصوص الشعرية بالسلك الثانوي الإعدادي، والرهانات المنتظرة من تبني هذه الفلسفة البنيوية السيميائية السطحية.
ولقد شهدت الجلسة الختامية للندوة تقاسم نتائج الورشة المصاحبة، التي أطرتها الدكتورة خديجة موادين حول "التفكير النقدي لدى تكوين المدرسين في عصر وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي"، ليتوج اللقاء بإعلان منسق الندوة الدكتور عبد الرزاق المصباحي منح المتدخلين مهلة لتطوير أوراقهم البحثية بناء على النقاش الذي أثمرته الندوة الوطنية السادسة لفريق البحث " المناهج والطرائق والتكنولوجيات التربوية المتجددة" قصد نشرها، وإتاحتها للقراءة والمهتمين.
.jpg)



جميل جدا ، موفق سي عبد الرزاق
ردحذف